القرطبي
9
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بدلا منه وهو الإشراك ، فحسن أن يقرعوا ويوبخوا على هذه الجهة وإن كانوا مشركين قبل النجاة . قوله تعالى : قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ( 65 ) أي القادر على إنجائكم من الكرب ، قادر على تعذيبكم . ومعنى ( من فوقكم ) الرجم والحجارة والطوفان والصيحة والريح ، كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح ، عن مجاهد وابن جبير وغيرهما . ( أو من تحت أرجلكم ) الخسف والرجفة ، كما فعل بقارون وأصحاب مدين . وقيل : " من فوقكم " يعني الأمراء الظلمة ، " ومن تحت أرجلكم " يعني السفلة وعبيد السوء ، عن ابن عباس ومجاهد أيضا . ( أو يلبسكم شيعا ) وروي عن أبي عبد الله المدني " أو يلبسكم " بضم الياء ، أي يجللكم العذاب ويعمكم به ، وهذا من اللبس بضم الأول ، وقراءة الفتح من اللبس . وهو موضع مشكل والأعراب يبينه . أي يلبس عليكم أمركم ، فحذف أحد المفعولين وحرف الجر ، كما قال : " وإذا كالوهم أو وزنوهم " ( 1 ) وهذا اللبس بأن يخلط أمرهم فيجعلهم مختلفي الأهواء ، عن ابن عباس . وقيل : معنى " يلبسكم شيعا " يقوى عدوكم حتى يخالطكم وإذا خالطكم فقد لبسكم . " شيعا " معناه فرقا . وقيل يجعلكم فرقا يقاتل بعضكم بعضا ، وذلك بتخليط أمرهم وافتراق أمرائهم ( 2 ) على طلب الدنيا . وهو معنى ( قوله ) ( 2 ) ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) أي بالحرب والقتل في الفتنة ، عن مجاهد . والآية عامة في المسلمين والكفار . وقيل هي في الكفار خاصة . وقال الحسن : هي في أهل الصلاة . قلت : وهو الصحيح ، فإنه المشاهد في الوجود ، فقد لبسنا العدو في ديارنا واستولى على أنفسنا وأموالنا ، مع الفتنة المستولية علينا بقتل بعضنا بعضا واستباحة بعضنا أموال بعض .
--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 250 . ( 2 ) في ك : أهوائهم .